دكتور مفيد راجح يكتب..حكاية بنت أسمها الزهراء

0 64

طبيعة عملى كطبيب للنساء و التوليد مهدت لى فرصة إستقبال كمٍ هائل من أطفال المهد أنقلهم من عالم الظلمات الثلاث إلى عالم الظلمة والنور .

نعلم أنه من المسلم به علمياً أن عالم الأحياء لا يؤمن بالفردية المطلقة، بل هو مزيج ضدين، فعلى سبيل المثال هرمون التستستيرون هو هرمون الذكورة رغم ذلك موجود فى الاُنثى بنسبةٍ ضئيلة، وكذا نقيضه هرمون البروجستيرون ممثلاً للإنوثة ومع ذلك موجودُ فى الذكر بنسبة ضئيلة أيضا، إذاً ليس هناك رجل مئة فى المئة، وبالتالى ليست هناك أنثى مئة فى المئة.

وكذا النفس البشرية خليط من القسوة و الرأفة و بعضنا تضغي اُولاهما على الاُخرى فتنشئ فرداً قاسي القلب لكن بالطبع لا يخلو جوهره تماما من الحنان، وبعضنا تضغى اُخراهما على الاُولى، فيصبح المرء مرهف المشاعر فأنا كنت صراحةً أستقبل المولود الذكر بكثير من الرأفة والترحاب عن الأُنثى دون قصد أو تعمد و لكن هى طبيعة البشر لهم البنين ولغيرهم البنات.

فلقد إستقبلت إبنى محمد إلى الدنيا و سعدت جداً لأن يكون بكرى رجل و بعد أربع سنوات إستقبلت إبنى أحمد بمزيد من النشوة والغبطة لأن أكون أباً للرجال، وقررت و زوجتى إتخاذ هدنة عدم الإنجاب لفترة أطول، ولكن تأتى الريح بما لا تشتهى السفن، فلقد حملت زوجتى للمرة الثالثة بعد عام تقريباً، ورغم حبى الكبير للإنجاب، لم أستقبل هذا الحمل بترحاب، ولكن بعد قليل آمنت بأمر واقع و حاولت جاهداً و متمنياً أن أعرف جنس هذا الجنين فى الشهور الاُولى من الحمل حتى ايقنت أن الجنين اُنثى ترى وقتها ماذا حدث…!؟

حدث ما توقعه البعض فلقد تحول الجزء الضئيل القاسى من قلبى الى جبل من الحنان والرأفة، و تمنيت لو أحتضن هذه القطعة من البُشرى والفأل الحسن، لولا أنها فى عالم غير عالمى.

تحولت بعدها مشاعرى كطفل صغير، ينتظر العيد حتى يحتضن لعبته، ثم حاول القدر مداعبتى، بآلام ولادة مبكرة فى مرحلة خطيرة من الحمل وهى الشهر السادس، لكن بفضل الله مرت بسلام، حتى حان وقت الولادة الحقيقية، وكانت الزهراء حُب أبيها ونسمات عمره، هى زهرة الدنيا ونضارتها، وحسنها بل هى زهرة النبت ونوره وتفتحه أو هى نجم ونار أضائت ماحولها أو هى أحد الأزهرين الشمس أو القمر، مشرقة الوجه، بيضاء بياض اللبن حين يترك ضرعه.

علمتنى الزهراء الابتسامة كيف تملأ الوجه المنير، علمتنى الغبطة والسرور فى كل وقت، وأى حال، فهى ترقص على الدُف بما فيه من بهجة كما ترقص على الناى بما فيه من شجن، ترقص على ضحكات الأطفال كما تتمايل متراقصةً على نحيبهم، ترقص على المغنى، و تتمايل فرحاً مع تلاوة القرآن، فهى دائمة البهجة..ليتنا كلنا زهراء نبتسم مع الألم ونضحك وسط البكاء.
د/مفيد راجح

Hits: 41

Advertisements

اكتب تعليقك هنا